وهبة الزحيلي
53
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
علم ( اسم ) أو وصف ؛ لأنه كما قال الرازي : لا يجوز من اللّه تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة ، لا بالحقيقة ولا بالمجاز ؛ لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا ، واللغة لا تدل على ما ذكروه ، فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو الملائكة أو الجنة أو النار ، فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا « 1 » . ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا أي هذا المتلو ذكر رحمة ربك الذي نقصه عليك عبده زكريا ، الذي كان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل ، وزوجته خالة عيسى عليه السلام ، وأنه - كما في صحيح البخاري - كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة ، حين دعا ربّه دعاء خفيّا مستترا ، إخلاصا وبعدا عن الرياء ، ولئلا ينسب في طلب الولد - وهو عجوز كبير - إلى الرعونة ، ويكون محل اللوم والتهكم من قومه . والمراد بذكر الرحمة : بلوغها وإصابتها وإجابة اللّه دعاء زكريا وهو : قالَ : رَبِّ ، إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ، وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي قال زكريا : يا ربّ ، لقد صرت فاتر العظام ، ضعيف القوى ، هرما كثير الشيب جدا ، ولم أعهد منك إلا إجابة الدعاء ، ولم تردّني قط فيما سألتك ، فما كنت خائبا ، بل كلما دعوتك استجبت لي ، وإني خفت أقاربي العصبات من بني العم ونحوهم إهمال أمر الدين وتضييعه بعد موتي ، فطلبت ولدا نبيا من بعدي يحرس بنبوته شأن الدين والوحي ، وكانت امرأتي ( وهي أخت حمنة أم مريم ) عاقرا لا تلد . واسم امرأته : إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل ، أخت حمنة بنت فاقوذا ، وعلى هذا يكون يحيى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة .
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 21 / 179 .